سيد قطب

3377

في ظلال القرآن

للّه كأنهم يرونه ، ويقين منهم بأنه يراهم : « إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ » . . ويصور إحسانهم صورة خاشعة ، رفافة حساسة : « كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » . . فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام ، المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلا ، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا . يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام ! قال الحسن البصري : « كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ » . . كابدوا قيام الليل ، فلا ينامون من الليل إلا أقله ، ونشطوا فمدوا إلى السحر ، حتى كان الاستغفار بسحر . وقال قتادة : قال الأحنف بن قيس : « كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ » . . كانوا لا ينامون إلا قليلا . ثم يقول : لست من أهل هذه الآية ! وقال الحسن البصري : كان الأحنف بن قيس يقول عرضت عملي على عمل أهل الجنة ، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا ، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون . وعرضت عملي على عمل أهل النار ، فإذا قوم لا خير فيهم ، مكذبون بكتاب اللّه وبرسل اللّه مكذبون بالبعث بعد الموت . فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال رجل من بني تميم لأبي : يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا . ذكر اللّه تعالى قوما فقال : « كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ » . ونحن واللّه قليلا من الليل ما نقوم ! فقال له أبي - رضي اللّه عنه - : طوبى لمن رقد إذا نعس ، واتقى اللّه إذا استيقظ . فهي حال يتطلع إليها رجال من التابعين - ذوي المكانة في الإيمان واليقين - ويجدون أنفسهم دونها . اختص بها ناس ممن اختارهم اللّه ، ووفقهم إلى القيام بحقها . وكتبهم بها عنده من المحسنين . وهذه حالهم مع ربهم ، فأما حالهم مع الناس ، وحالهم مع المال ، فهو مما يليق بالمحسنين : « وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » . . فهم يجعلون نصيب السائل الذي يسأل فيعطى ، ونصيب المحروم الذي يسكت ويستحيي فيحرم . يجعلون نصيب هذا وهذا حقا مفروضا في أموالهم . وهم متطوعون بفرض هذا الحق غير المحدود . وهذه الإشارة تتناسق مع علاج السورة لموضوع الرزق والمال ، لتخليص القلب من أوهاق الشح وأثقال البخل وعوائق الانشغال بالرزق . وتمهد للمقطع التالي في السورة ، في الوقت الذي تكمل سمة المتقين وصورة المحسنين . « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » . . وهي لفتة إلى آيات اللّه في الأرض وفي الأنفس ؛ وتوجيه إلى السماء في شأن الرزق المكتوب والحظ المقدور . تختم بقسم عظيم . قسم اللّه - سبحانه - بذاته بوصفه : « رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » اللتين ورد ذكرهما في هذا المقطع . على أن هذا القول الذي جاءهم من عنده حق يقين . . « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » ؟ . .